جديد الأخبار

جديد المقالات


الجمعة 6 ربيع الأول 1439 / 24 نوفمبر 2017

المقالات » مقالات مختارة » الأمن الفكري في الجامعات

الأمن الفكري في الجامعات

 

نشر في : 22-02-1439 06:23

غالبية دعاة الغَيرة والتهييج تحت ذريعة إنكار المنكر وفق الطريقة السبئية، هم أكثر الناس وقوعا في المنكرات، ولكنهم يرون القذاة في عيون الناس، ولا يرون الجذع في عيون أنفسهم
الأمن كالهواء، فهل يستغني أحدٌ عن الهواء؟ وهو كالنَفَس فهل يستغني أحدٌ عن النَفَس؟ بالطبع لا أحد يستطيع أن يستغني عن الهواء والنَفَس، وكذلك الأمن سواء بسواء، لا يستغني عنه أحد، وإذا كان الأمر كذلك - وهو كذلك - فإن المحافظة عليه مسؤولية الجميع، كلٌ حسب قدرته، وتُشكَر وزارة التعليم ووزيرها الفاضل، أن وضعت في جامعات المملكة إدارات ووحدات تُعنَى بترسيخ الأمن الفكري، والإجابة عن الشبهات التي قد تعرض للطلاب والطالبات، لاسيما أن وسائل التواصل الاجتماعي ونحوها تضخ كثيرا من الشُبَه، فكان لابد من جهةٍ تُعنَى بتفنيد هذه الشبهات، بعلم وعدل وإخلاص، وبُعْدٍ عن الصخب والضجيج والفلاشات، وكنت سمعت بعض الناس، ممن له مكانة، يقول: إن الأمن مصطلح بوليسي، وليس من مهمة الجامعات، فآلمني ذلك، وقلت له: قولك هذا فيه نظر، بل ليس عليه أثارةٌ من علم فيما أعلم، وذلك لما يلي:
أولا: الأمن مصطلح شرعي، وليس كما تقول، وتلوتُ عليه الآيات الكريمة في ذلك، ومنها قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)، وقوله تعالى: (وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا)، وقوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا)، وقوله تعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، وقوله تعالى: (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم)، والآيات في ذلك كثيرة، ومن الأحاديث على سبيل المثال قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ... الحديث)، وبهذا يتبين أن الأمن مصطلح شرعي، وهو من ضرورات الدين والدنيا.
وثانيا: إذا لم يتحدث أساتذة الجامعات عن الأمن ومكانته وسبل المحافظة عليه، وترسيخه في نفوس الطلاب، وخطورة الأفكار والأحزاب والتيارات التي تؤثر سلبا على الأمن والإيمان، فمن يتحدث؟!
صحيح أن هناك أعمالا خاصة برجال الأمن، لا يقوم بها غيرهم، ولكن التحصين الفكري والعقدي، وكشف الشبهات الضالة، وبيان مكانة الأمن، هي من مهمة أساتذة الجامعات، فقُرْبُهُم من طلابهم، والإجابة عن تساؤلاتهم، بعلم وعدل، ونظرةٍ واقعية ليس فيها تسويغٍ لأي خطأ أو منكرٍ أو تقصيرٍ، وليس فيها ادعاء للمثالية، سببٌ لإصلاح الأفكار، وإذا صلحت الأفكار صلح السلوك.
هذا ما قلتُه آنذاك، وأضيف الآن فأقول: من المهم أن يُتوَصّل مع الشباب (الطلاب) إلى أن الخطأ أو المنكر، لا يُقَر، بل يجب بذل الجهد في الوقاية منه قبل حصوله، ومعالجته بعد حصوله، وفق المنهج النبوي، وليس وفق منهج دعاة الفتن، الذين يفرحون بالأخطاء ليتخذوها سُلَّماً للإثارة والشر والتهييج، ومما ينبغي أن يفهمه الشباب وغيرهم أن الأخطاء والمنكرات، لا يسلم منها مجتمع، حتى المجتمع النبوي، وُجد فيه من سرق ومن زنى ومن شرب الخمر...، والخطأ يعالج بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالصخب والضجيج وإثارة الناس، ومع الأسف فإن غالبية دعاة الغَيرة والتهييج تحت ذريعة إنكار المنكر وفق الطريقة السبئية، هم أكثر الناس وقوعا في المنكرات، ولكنهم يرون القذاة في عيون الناس، ولا يرون الجذع في عيون أنفسهم، وبعضهم يعلمون ذلك لكن لهم مآرب أخرى، ومعلوم أن من أصول المعتزلة الخمسة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقصدون به: الخروج على الحكام، ولكل قومٍ وارث، فلا ينبغي التهويل والمبالغة، فالمجتمع ليس مجتمعاً ملائكياً، فالملائكة هم الذين لا يعصون الله ما أمرهم، أما البشر فمن طبيعتهم الخطأ كما في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)، وليس هذا ترخيصا لفعل الذنوب، كلا، فالذنوب تزيل النعم، ولكن لئلا تَسُود النظرة السوداوية المتشائمة، التي تجعل صاحبها يتنقل من التوجس إلى التوحش، وإنما على الإنسان أن يعيش متصالحاً مع نفسه ومجتمعه، واثقا بدولته، متفائلا بفضل الله ورحمته، قائما بما أوجب الله عليه من النصيحة وفق المنهج الشرعي، بعيدا عن التشاؤم، ففي الحديث الصحيح: (من قال هلك الناس فهو أهلكهم)، وفي الحديث الصحيح أيضا: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة)، فترسيخ هذه النظرة المتفائلة لدى الشباب تجاه المجتمع والدولة هو مهمة الأكْفاء المتخصصين من أساتذة الجامعات، فهم الذين يقومون بهذا الدور التحصيني عن طريق عرض الأدلة النقلية، والحجج العقلية، برفق ورحمة وسعة صدر، وليس من المعالجة معاداة الدين الصحيح وثوابته، أو التجني على علماء الشريعة الراسخين، فهذا ليس علاجا، وإنما هو داء، وليست المعالجة كذلك في منهج أي حزب، بل تلك الأحزاب كالميازيب، تجمع الماء كدرا، وتُفرقه هدرا، فلا خير فيها، لكون أصحابها (فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون)، ومتى تم اختيار الأكفاء لهذه المهمة في الجامعات، وتم تحديد المهام المنوطة بهم، وفق لائحة واضحة، فإن النتائج ستكون مثمرة، ووزير التعليم الدكتور أحمد العيسى يولي هذا الموضوع - فيما علمتُ - عناية فائقة، سدَّد الله الخطى، ونفع بالجهود.

نقلاً عن صحيفة أزد الإكترونية

 


 

خدمات المحتوى


بــقــلــم :

أحمد الرضيمان

أحمد الرضيمان

تقييم
2.55/10 (354 صوت)