جديد الأخبار

جديد المقالات


الخميس 26 ربيع الأول 1439 / 14 ديسمبر 2017

المقالات » مقالات مختارة » ما ليلك بليل سارق

ما ليلك بليل سارق

 

نشر في : 10-03-1439 06:47

المسلم قد يخلط عملا صالحا وآخر سيئا، ولكن بعض الناس في زماننا كأنهم لا يتصوَّرن وجود هذا الخلط، ولذلك إذا رأوا من ظهرت عليه شعائر التدين، عظَّموه
جاء في موطأ الإمام مالك، أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل، قدم فنزل على أبي بكر الصديق، فشكا إليه أن عامل اليمن قد ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر: ما ليلك بليل سارق، ثم إنهم فقدوا عقدا لأسماء بنت عميس، امرأة أبي بكر الصديق، فجعل الرجل يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بيَّت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف به الأقطع، فأمر به أبو بكر الصديق فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته.
نقلت هذا الأثر كما ورد في موطأ مالك، ووضعته أمام القراء الكرام، فقد يستنبطون منه من فرائد الفوائد الشيء الكثير بقدر القرائح والفهوم، والذي أريد الإشارة إليه من هذا الأثر جملة من المسائل، منها ما يلي:
الأولى: أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومن المنكر: السرقة، وهذا ما جعل الخليفة أبابكر -رضي الله عنه- يقول لهذا المصلي في جوف الليل: (ما ليلك بليل سارق)، وأبو بكر -رضي الله عنه- يعني: الصلاة التي تُقام على الوجه الأكمل، لا مجرد الأداء.
الثانية: أن من أخطأ وانتهك حدا من حدود الله فإنه يُحاسب، وإن ظهرت منه أعمال خيرية، فليست تلك الأعمال مانعة من تنفيذ الحكم الشرعي.
الثالثة: من الناس من يُنكِر الشيء، مع أنه هو فاعله، بقصد التمويه، فهذا السارق يدعو على من سرق، ويبحث عن المسروق مع الناس، وهذا هو ما يفعله تماما بعض الحزبيين، يقول أحدهم في أحد كتبه: (مصلحة العمل الإسلامي تقتضي أن يقوم فريق من رجاله بالأعمال الجهادية -هكذا يسمونها جهادية مع أنها إرهابية-، ويقوم آخرون بالشجب والاستنكار، بتنسيق مسبق، وتوزيع متبادل للأدوار). يُفجّرون ويشجبون، وهذا المسلك ليس من دين الله في شيء.
الرابعة: أن المسلم قد يخلط عملا صالحا وآخر سيئا، ولكن بعض الناس في زماننا كأنهم لا يتصوَّرن وجود هذا الخلط، ولذلك إذا رأوا من ظهرت عليه شعائر التدين، عظَّموه، وصدَّروه في المجالس، وقدَّموه على كبار السن، وربما يستفتونه، ويُنادونه بالشيخ وصاحب الفضيلة، وإن كان حديث عهد بجرائم وجهل وانفلات، وفي المقابل بمجرد وقوع هذا الذي كانوا يعظمونه في جريمة، كالزنا والخمر ونـحوهما من الكبائر، فإنهم يُشكِّكون في دينه، وربما زعموا أن ما ظهر منه من تدين كان نفاقا، وكأنهم كانوا يرونه معصوما، وهذا من ردود الأفعال غير المتزنة.
بينما من سلك طريق الاعتدال: لا يبالغ مدحا ولا ذما، من ترك المنكرات وأظهر الاستقامة فإنه يُرجى له الخير، ولكن لا يُصدَّر، ولا يُرفَع فوق منزلته، ومن وقع في الخطأ وإن كان كبيرة من كبائر الذنوب، فإنه لا يُعان الشيطان عليه، ولا يُقَال إن أعماله الخيرية الأخرى كانت نفاقا، إذ لا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب.
ونـحن نعلم أن الصحابة هم خير الناس، ومع هذا فأحدهم وقع في الزنا، واعترف بذلك، فرُجم لكونه مُحصَنا، وقد صلى عليه رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وأخبر أنه: (ينغمس في أنهار الجنة)، ورجل آخر شرب الخمر، فجلده رسول الله، ولم يقل أحد أن تدينه ليس صادقا، وإنما قال النبي، عليه الصلاة والسلام: (إنه يحب الله ورسوله)، ربما يُبلى بعض الناس بذنب، لكن هذا ليس دليلا على أنه لا يحب الله ورسوله، أو أنه غير متدين، نعم يدل على ضعف الإيمان، وحريٌّ بالمسلم ألاّ يستهين بالذنوب، فقد يموت على ذلك الذنب ويُختم له بسوء العمل، ولكن لسنا كالخوارج المارقين الذين يرون مرتكب الكبيرة خارجا عن الإيمان وواقعا في الكفر، ولا كالمرجئة الضُلاَّل الذين يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، فكلاهما خاطئ، ولكننا -بحمد الله- على طريقة أهل السنة والجماعة، نقول عن مرتكب الكبيرة: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ولا نُكفِّر أحدا من أهل القبلة بكل بذنب، ما لم يستحله، ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله.
والمقصود: أن الاتزان مطلب في الأمور كلها، قال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا)، وقال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)، فالاتزان خيرٌ كله، ولهذا أنبت الله في الأرض من كل شيء موزون، أي: مقدر بحد معلوم، كما قال تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُون).
نقلاً عن صحيفة أزد الإكترونية

 


 

خدمات المحتوى


بــقــلــم :

أحمد الرضيمان

أحمد الرضيمان

تقييم
3.12/10 (632 صوت)