جديد الأخبار

جديد المقالات


الجمعة 7 ذو القعدة 1439 / 20 يوليو 2018

 

نشر في : 14-08-1439 04:51

حسم الجدل بشأن التخصيص مع اعتماد الخطة، ومع ذلك فإن نقاشا عن التخصيص لا مفر منه اليوم أو غدا أو حتى بعد اكتمال التجربة، وهذا المقال سيكون ضمن تيار واسع في فهم ودراسة وفلسفة هذه الظاهرة. وكمدخل للفهم نحتاج إلى الحديث عن دور الحكومة، وهناك عدة تفسيرات لعل أهمها عندي هو العقد الاجتماعي، على أساس أن الحكومة تقوم بالمهام التي لا يمكن للأفراد القيام بها، لعدم القدرة على ذلك أو لعدم مناسبة قيامهم بها. فليس من المناسب للأمن أن يقوم به غير الحكومة وكذلك الدفاع والسبب يعود إلى أهمية الاستقلال عند تنفيذ هذه الخدمات العامة عن الأفراد أو الفئات أو الطبقات لضمان الحياد عند تطبيقها، فالأمن والدفاع حق للجميع ولهذا يجب أن نضمن بقاءه كذلك، فإذا تمت ممارسته من قبل الأفراد أو مؤسساتهم (القطاع الخاص) فإن قدرتنا على ضمان الحياد تتضاءل، وعلى هذا يمكن قياس الأمر في كثير من المسائل الأخرى، مثل الصحة العامة، أو التعليم العام. لكن مشكلة الحكومة الأصيلة هي كيفية ضمان الحياد هذا في ظل أنها في حاجة إلى الأموال لتنفيذ جميع المشاريع والوظائف التي تتطلبها هذه القضايا. في دول مثل السعودية التي أنعم الله عليها بموارد طبيعية مؤممة، تسير الأمور بسهولة لأن مشكلة من يمول الميزانية تصبح قضية ثانوية، وبناء على هذا قامت الدولة بمهامها دون مشاكل تذكر، وكان هذا يتطلب جهودا جبارة من حيث ضمان مستويات عادلة من الخدمة. ولكن مع تزايد السكان وتباعدهم الجغرافي كان حجم الإنفاق يتزايد حتى وصلنا إلى مرحلة من الصعب على الموارد الذاتية للحكومة أن تغطي النفقات كافة، لقد راهنت المملكة على دور الحكومة في ضمان إمدادات متميزة من الخدمات إلى المجتمع، لكن العمل وفقا لهذه التصورات أصبح صعبا جدا اليوم، وهناك تحديات هائلة لعل أكبرها أن الطلب على الخدمات من قبل المجتمع لم يعد ذا مستوى واحد، بل أصبح متعدد المستويات خاصة مع دخول القطاع الخاص في تقديم هذه الخدمات مثل الصحة والتعليم وحتى الأمن الخاص. ومع حجم الإنفاق الضخم وصعوبات لوجستية وتنظيمية أصبحت الجودة في القطاع الحكومي هي الأقل. وأصبح القادرون على الدفع قادرين على الوصول إلى نوعية جيدة من الخدمات، على أساس ادعاءات أن الخدمات التي تقدم من خلال القطاع الخاص تمثل مستوى من الجودة أعلى من تلك المقدمة عن طريق الحكومة، ولهذا أصبحت الخدمات التي يحصل عليها الأفراد في المجتمع محيزة بقدر ما يملكه هؤلاء الأفراد من موارد، وهنا عدنا للمشكلة الأصيلة التي نشأت من أجلها الحكومة، فالأصل أن تقدم الخدمات التي تتسم بمعنى الحق العام وفقا لمبادئ من الحياد والعدالة، وإذا كان يمكننا قبول وتفسير أن تكون هناك مستويات من الخدمات تختلف بين ما تقدمه الحكومة وبين ما يقدمه القطاع الخاص في ظل موارد حكومية ذاتية فإن مثل هذا الاختلاف يفقد تبريره في ظل الضرائب التي يدفعها جميع أفراد المجتمع بلا استثناء، هنا يصبح التفاوت في مستويات الخدمات غير مفسرة وغير مقبولة. كيف نعود إلى الحياد في تقديم الخدمات التي تمثل حقا عاما للمجتمع، ولا تكون هناك مستويات متفاوتة في هذا الحق، هذه المشكلة تعصف بالعالم اليوم، فلا يمكن لأحد ما في دولة ما أن يقبل بأن حصوله على علاج جيد مرتبط بقدرته على الدفع، أو تعليمه مشروط بماليته، إذ إن هذا يقودنا إلى تفسيرات عقيمة وقديمة جدا للاقتصاد وعبارات مؤلمة مثل البقاء للأصلح والأقوى. فكيف نضمن إذا أن الحق في التعليم والصحة والأمن والدفاع هو حق مشاع، وأنه لا توجد مستويات في الحصول على هذا الحق؟ خاصة في ظل فرض ضرائب على شرائح المجتمع كافه. لا بد من إعادة تفسير دور الحكومة والعلاقات مع الأفراد ومؤسساتهم، فالحكومة اليوم لم تعد تريد أن تدخل في إشكالات كتقديم الخدمات التي يقوم القطاع الخاص بتوفيرها وفقا لمستويات مختلفة من الجودة، إذ إن الاستمرار في هذا النهج هو مثار استياء عام، ونقد لن ينتهي والحل هو التحول من الخدمة إلى الاستثمار فيها، بمعنى تمكين القطاع الخاص من توفير هذه الخدمات بدلا عن الدولة وليس نيابة عنها، ويصبح دور الحكومة هو التمتع بالعوائد سواء كانت مجتمعية أو مالية. هذا هو جوهر التخصيص، وهكذا يجب علينا اختيار الخدمات التي سيتم خصخصتها. مثل هذا التفكير يجعل بنية الحكومة مثار جدل، فهل الحكومة تتمتع بالعوائد الاستثمارية، وبذلك فإنه يمكن تطبيق مبادئ الاقتصاد الجزئي عليها ومن ذلك تعظيم المنفعة، حيث إن الحكومة تسعى إلى تعظيم منافعها من الاستثمار. هذا يقودنا إلى تطبيق قواعد السوق والمنافسة، فهل يمكن فعلا لمشاريع الخصخصة أن تحقق أهدافها إذا طبقنا لهذه القواعد، بمعنى إذا كانت الحكومة ستسعى إلى تعظيم منافعها من الاستثمار في الخدمات وفقا لقواعد السوق فهل سيتسبب هذا في ارتفاع الأسعار على الخدمات بعد ذلك؟ هنا نفهم القلق الذي يصيب البعض من التخصيص. لكن المشكلة ستكون أكبر فيما لو لم تسع الحكومة إلى تعظيم منافعها من الاستثمار وفقا لقواعد السوق والمنافسة، إذ كيف يمكن بحيادية ضمان الجودة، وهل سنقع مرة أخرى في فخ وجود مستويات متعددة ومختلفة من الجودة للخدمة العامة نفسها؟ حيث ستصبح لدينا خدمات يقدمها القطاع الخاص المكلف من قبل الحكومة بإدارة الخدمة تختلف من تلك التي يقدمها القطاع الخاص الحر. هنا أقر بأن المشكلة كبيرة لكن التجربة لا مفر منها. وعند قراءة وثيقة خطة التخصيص نجدها تسعى جاهدة لحل هذه الثغرات كافة وتعمل على تحقيق الكثير من المستويات العالية من الحوكمة والإشراف والمشاركة والتنوع حتى تضمن الأفضل.
نقلاً عن صحيفة أزد الإكترونية

 


 

خدمات المحتوى


بــقــلــم :

د. محمد آل عباس

د. محمد آل عباس

تقييم
3.40/10 (872 صوت)