جديد الأخبار

جديد المقالات


الجمعة 8 ربيع الأول 1440 / 16 نوفمبر 2018

 

نشر في : 22-02-1440 06:54

من يقرأ عن الاقتصاد العالمي اليوم، ومن يستمع لحديث الاقتصاديين، أو من يدعي وصلا بليلى الاقتصاد مثلي، يجد نفسه في حيرة كبيرة وقلق شديد، وتأتيني أسئلة مستمرة بهذا الشأن، الدين العالمي يتفاقم، العملات مهددة بالانهيار الجماعي المدمر، الرفاهية العالمية على المحك، الصراع التجاري بين الدول كارثي، أمريكا تهدد، والصين ترد، روسيا قلقة، والاتحاد الأوروبي يرقع الثوب المهلهل، كل هذا تسمعه في الأخبار أو تقرأ عنه في مقال أو تسجيل مسموع أو مصور، العالم قلق ومتوتر، وأنا وأنت نعيش فيه ونشعر بالقلق من المستقبل أو عليه، فكيف نتصرف مع قلق مثل هذا، وهنا أحاول معك عزيزي القارئ أن نضع سويا بعض النقاط على الحروف حتى نستطيع قراءة الحل. أولا: الناس مصابة بقلق الخطر من المستقبل وحصول كوارث اقتصادية عالمية وفقدان الوظائف وفقدان الحقوق فيما يتعلق بالتأمينات الاجتماعية في المستقبل، وهذا القلق من المستقبل مشروع، لكنه "شعور سلبي فطري" لا علاقة له بما تقرأه من مشكلات اقتصادية، وكلنا ذاك الإنسان القلق ونعمل يوميا بجد وجهد للتخلص منه ونتخذ قرارات بهذا الشأن، ثم نبتهل إلى الله أن يرزقنا، لكن إذا تجاوز هذا الشعور حده الطبيعي فقد أصبح "رهابا" و"مرضا" وهذا يعني أنك بحاجة إلى طبيب نفسي، وفورا. معظم مشكلاتنا في الحياة وما يهدد فرصنا في الوظائف والعمل وأرزاقنا لا يأتي من قضايا اقتصادية ولا من الوضع الاقتصادي للبلد، بل بسبب قرارات وتصرفات خاطئة منا تعرض صحتنا وقدراتنا الذهنية للخطر تماما، والجميع يتعرض للخطر في المستقبل، ليس بسبب الحالة الاقتصادية، بل بسبب أمور صحية بحتة أو حوادث أو تصرفات شخصية متهورة. لقد أكدت الإحصائيات أن أكبر قاتل في العالم هو التدخين، ثم يأتي ضغط الدم والقلق، ثم حوادث السيارات، وفي نهاية السلسلة الطويلة وبأقل احتمال للوفيات تأتي النزاعات العالمية، إذا كنت قلقا من خطورة تصرفاتك على صحتك وحياتك أكثر من قلقك من تأثير الاقتصاد العالمي فيها. ثانيا، كل ما تقرأه عن انهيار اقتصادي هو حديث قديم جدا، بدأ مع الرأسمالية نفسها في القرن الـ 17، ونظر إليه هيجل في الديالكتيك في الـ 18، وأكده ماركس في الـ 19 وسوق له لينين، وعاش عليه ستالين وماو في الـ 20 ولقد مات كل هؤلاء وبقي العالم واقتصاده حتى القرن الـ 21، أتت أزمات كبيرة لكن الاقتصاد العالمي صامد ككتلة، ولهذا فإن ما تسمعه هو تردد لأصوات قديمة، ولأننا نعيش أزمة فكر وأزمة قراءة وفلسفة فإن المعرفة المعلبة في تسجيل أو تغريدة تجعلنا في أسر القلق، العالم لن ينهار لأن عملة ما أصبحت لا تساوي شيئا، وسأقول لك الصدق، إن العالم الحقيقي "كما تراه في فيلم The Matrix" لا يهتم كثيرا بالقيمة الافتراضية للعملات ولا صدقها، الشعوب قادرة على قبول أي شيء يصلح للتبادل حتى لو كان حجرا نسميه ذهبا، فضلا عن ورقة قد تتمزق في جيبك، وطالما هناك نظام مقبول قائم يقنن ويضع شروط التبادل ويجددها فسنستمتع بالتعاملات الجديدة دائما، ولهذا نتبادل السلع والخدمات اليوم بمجرد "أرقام إلكترونية" لن نلمسها أبدا، وتختفي إذا أطفأنا الشاشة، ونحن نقبلها ليس لأنها عملة صادقة، بل لأننا و"بجنون البشر" اتفقنا وقبلناها، من يرفضها لن يجد من يعطيه شيئا، هنا تجد الجنون وقد أصبح الفكر السائد، ومن يعمل خارج سياقه يصبح بلا عقل، ولك أن تتأمل هذه العبارة جيدا، حتى تفهم أنه لا علاقة لأي اقتصاد بشأن رغبتنا في تبادل السلع بيننا ولو برقم كهربائي يضيع من بين يدينا ولن يعود لو انقطعت عنا الكهرباء. إذاً سيظل الاقتصاد قائما طالما بقيت البشرية وبقي جنونها في الأنظمة والقوانين، فلا تقلق، سيجد العالم مسارات جديدة دائما لحل مشكلاته، وسنقبل الحل بسعادة. ثالثا: الاقتصاد كالماء يجد مساراته بنفسه، لا أحد يقف أمامه، هذه الحقيقة يجب أن نحترمها، لهذا يجب علينا أن نعيد تشكيل أوعيتنا بحسب كمية تدفق الماء، هذه هي الحصافة، لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط، حافظ على الأصول وبقدر أكبر بكثير من النقد بأنواعه الورقي والإلكتروني، ولا تنسَ أن تحجز لك حصة من الذهب، هذه هي أهم القضايا الاقتصادية، الناس تستخدم العملة ولو كانت ضوءا كهربائيا أو ورقة ممزقة للحصول على السلع والخدمات، وهذه السلع والخدمات تنتجها أصول بأشكال مختلفة، إذا كانت لديك أصول تبيعها بسهولة فستجد العملة السائدة، فلا تقلق، لكن إذا لم تكن لديك أصول فإني أدعوك اليوم إلى أن تبدأ في ذلك، حافظ على الأصول، ولو قلت تحافظ على حظوظك وحظوظ من تحب، لا تهدر الأصول المعمرة في مغامرات لا معنى لها، بل حاول جهدك في مؤسستك أو بيتك أن تعزز من الأصول الرأسمالية وتجددها، شجرة مثمرة معمرة تغرسها في منزلك ستكون مهمة، هذا ما نسميه التراكم الرأسمالي، العقارات تظل أصولا محترمة، الآلات بأنواعها، المواد الخام، مزرعة صغيرة مع مصدر للماء، لا تردد في الحصول عليها إذا توافرت. رابعا: أنت أكبر مصدر للدخل، عقلك وما تعمل يدك، مهنتك وما تجيده، هنا أهم مصادر الإنسان للحياة الكريمة بل أخطرها، العقل واليد والمهنة والتمهين أهم مصدر للبقاء بإذن الله، بل هو مصدر العيش برفاهية، كل ما سبق من نقاط يرتبط بهذا الأمر، يجب أن تكون لديك مهنة، ثم تختار الأصول المعمرة تبعا لها، وأن تنضم إلى مجتمع من المهنيين، وتعمل بالقرب منهم، تلك السوق إذا أردت يوما أن تبيع إنتاجك، وفي الأسواق تكمن الفرص، وهناك يبقى الاقتصاد ويعيش البشر.
نقلاً عن صحيفة أزد الإكترونية

 


 

خدمات المحتوى


بــقــلــم :

د. محمد آل عباس| السبت 27 أكتوبر 2018

د. محمد آل عباس| السبت 27 أكتوبر 2018

تقييم
8.25/10 (103 صوت)