• ×
رحاب بنت مدرك الرويلي
رحاب بنت مدرك الرويلي

(رِحْلَةْ اَلْحَجْ قِيِمٌ وَمَبَادِئْ)

09-12-1442 10:27 مساءً
.
*إن الحج عبادةٌ لها مقاصدٌ وشعائر ولن يُدرك مقاصدها إلا من أدى تلك الفريضةُ العظيمة لما تحملهُ* من الدروس والعبر والثمرات الإيمانية السمحة . قال الله تعالى “وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍ عميق “

وهذه الأيام قد بدأتْ رحلةُ قوافل الحُجاجِ من كلُّ فجٍ عميق تهُبَّ بنسائمُ الإيمانْ* قاصدةً بيت الله الحرام* ملبيةً لنداء السماء لتحيي خاتمةُ الخير في أركان الإسلام* إلى شعيرةُ الحج ،* تاركين ورائهم* المال الولد والجاه* ؛ مكتسين بياض الإحرام كاشفين لرؤسهم خاشعين لله وحده ؛ تتجلى فيهم روح الوحدة والمساواة واضحة جلية لاعنصرية فيها ولاتمييز بينهم ولافضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ؛ تاركين ضجةِ الدنيا ونعيمها شامخَين بعزةِ* الإسلام وملبين لله وحده بكلمة التوحيد ” لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك إن الحمد والنعمةَ لك والملك لاشريك لك ” يصدحون بها في طُرقات المشاعر المقدسة ويملؤن بها فجاج الأرض موحدين لله تعالى معظمين لشعائره* سائلين الله غفران الذنوب والفوز في جنات الخلودِ والنعيم* .

أرى الناس أصنافاً ومن كل بقعةٍ*

إليك انتهوا من غُربة وشتاتِ*

تساوو فلا أنساب فيها تفاوتٌ*

لديك ولا الأقدارُ مختلفاتْ*

فالكل في هذه الحياة قد يصنعُ له مشروعاً من أجل نيل الربح الذي يسعى من أجله ..

ولكن تكمن الفكرة في الإجابة على هذه التساؤلات* :

ماهو مشروع العمر بالنسبة لك ؟

*وكيف تخططُ له ؟*

كيف وإن كان مشروعُ العمرِ بالنسبة لك هو فريضة الحج* فهنيئاً لمن أكرمه الله تعالى واصطفاه بأن* يكون من ضيوف الرحمن إلى بيت الله الحرام والمسير مع قوافل الحجاج بين طرقات منى ومزدلفة وعرفات* بأن يُلبي له النداء وأن يُحقق ذلك الإنجاز في هذا المشروع العظيم وأن يغنم بغنائم الحج العظيمة خاصةً وهي في* هذه الأيام العشر المباركة وهي أفضل أيام الدنيا كما أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ” أفضل أيام الدنيا أيام العشر ، عشر ذي الحجة ” .

ولمكانتها وعظم قدرها فقد أقسم الله تعالى بها في كتابه قال تعالى ” والفجر وليال عشر ”

فيجب أن يغتنمها الحاج وغيره وأن يُعمروها بالأعمال الصالحة والتقرب فيها إلى الله بأنواع العبادات واغتنام عظيم أجرها .

وقد ورد في فضلها ما رواه ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: “مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ. قَالُوا: وََلا الْجِهَادُ، قَالَ: وََلا الْجِهَادُ، إَِلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ”.*

فرحلة العمر الكبرى لك أيها الحاج* قد تبدأ مع هذا المشهد العظيم حينما تشرق شمسُ يوم عرفة وتتسارع بك الخطى إلى ساحاته للوقوف على عرفات أسوة بخير المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

*فهو أعظم أيام الدنيا وهو يوم من أروع مواسم الطاعة والعبادة والتقرب فيه إلى الله تعالى.

* وفي هذا اليوم تهز النفس وتبكي العين خوفاً من الله وشوقاً لعفوه ومغفرته والعتق من نيرانه.

*في هذا اليوم يباهي الله بأهل عرفات أهل السماء وخير دعاء دعاءُ يوم عرفة حينما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير الدعاء دعاء يوم عرفه وخير ماقلت أنا والنبيون من قبلي “لا إله الله وحده لاشريك له الملك وله الحمد وهو على كل شي قدير” ..

وأما لغير الحاج ومن مُنع عن الحج فقد أكرمه الله بصيام هذا اليوم* ليكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده فالدين قد ساوى بين الجميع بلا تمييز بينهم .

والحج مدرسةٌ عملية ومن أعظم المدارس في تحقيق المخرجات بالرغم من قصر مدتها ولكن قد تصنعُ الهمم في سلوك الحجاج وتسمو بنفوسهم وتزكيها وتربي فيهم معنى تحقيق الهدف* والوصول إليه واثره في حياة الحاج بعد عودته من رحلة العمر.

*وذلك لن يتم إلا بتحقيق مقاصد الحج الكبرى والعمل بالعبادات وفق الشريعة بدون تقصير أو خلل ؛ واستشعار بعظمة الله في هذه المشاعر المقدسة* من أجل تحقق* النجاح الأعظم* وهو أن يعود كيوم ولدته أمه صافياً نقياً* بلا ذنوبٍ ولا معاصي

قال صلى الله عليه وسلم من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه “.

فيجب على الحاج أن يبذل مافي وسعه ليكون أهلاً لهذا الشرف العظيم ، وأن يحسن العمل ويجتهد في الطاعات والعبادات وترك المنكرات واستشعار قدسية الزمان والمكان ؛ معظماً لشعائر الله ؛ وأن تكون جميع أعماله موافقةً لأمر الله وأن ينشغل لما جاء لأجله وطلبه وهو رضوان الله تعالى وأن يتجنب كل ما ينافي مقاصد الحج .

قال تعالى “الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج “.

ولابد من تحقيق الهدف الأعظم في رحلة الحج المباركة والتي لا تخلو من المشقة والعناء ولكن حينما تصبو بعينيك إلى ذلك الهدف والعمل بالإخلاص له قد ينساب ذلك التعب من جسدك الطاهر عندما ترى جزاء هذا العناء المتقن هو الفوز بالجنة قال صلى الله عليه وسلم (الحج المبرور ليس له جزاءاً إلا الجنة ).

إلى كل حاج قصد بيت الله الحرام مخلصاً بنيته التوبة إلى الله جدد عهدك مع الله فلتكن تلك البقاع الطاهرة هي بوابة الحياة* لك.

*اكتب لنفسك حياة جديدة ستعيشها وخطّ صفحاتها بالأعمال الصالحة وأبدأ من جديد وغير مسار حياتك بعيد عن صخب الدنيا وضجيجها فالحاج اليوم قد مُنح وساماً وفرصة جديدة من أجل التوبة الصادقة فالحج رحلة إيمانية لا تتعوض فقد اجتمعت بها كل أنواع العبادات من ذكر ودعاء وصلاة واستغفار فاستشعر عظمتها ومعانيها واجعلها آخر رحلة لك* في حياتك قد لا تعود مرة أخرى وابد بها عهداً جديداً تتقرب به إلى الله واركن بملهيات الدنيا جانباً واصدح في فعل الطاعات والعبادات وبذل الخير قبل أن ينقضى بك العمر .

ومن إضاءات ابن القيم عن الحج :

يقول عبادي قد اتوني محبةً*

وإني بهم برٌ أجود وأكرمُ*

فأشهدكم إني غفرتُ ذنوبهم*

وأعطيتهم ما أملوه وأنعمُ*

فبشراكم ياأهل ذا الموقف الذي*

به يغفر الله الذنوب َ ويرحمُ*

*هنيئاً لنا بهذا الدين العظيم* والذي تتوالى به علينا الحسنات كحبات المطر طوال العام في جُلِّ العبادات والطاعات وهذا فضل الله وحده قد أنعم به علينا وأكرمنا لهذا الخير*

اللهم سلم الحجاج القاصدين لبيتك الحرام واجعل حجهم جحاً مبروراً وذنبهم مغفوراً وسعيهم مشكورا وردهم إلى أهلهم سالمين وبالمغفرة فائزين ومن نارك معتوقين يارب العالمين
أكثر